ابن عساكر

347

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

فبايعني منهم - إلى أن كتبت إليك - ثمانية عشر ألفا ، فعجّل القدوم ، فإنه ليس دونها مانع . فلما أتاه كتاب مسلم أغذّ السير حتى انتهى إلى زبالة « 1 » ، فجاءت رسل أهل الكوفة إليه بديوان فيه أسماء مائة ألف ، وكان النعمان بن بشير الأنصاري على الكوفة في آخر خلافة معاوية فهلك ، وهو عليها « 2 » ، فخاف يزيد ألا يقدم النعمان على الحسين ، فكتب إلى عبيد اللّه بن زياد بن أبي سفيان وهو على البصرة فضم إليه الكوفة ، وكتب إليه بإقبال الحسين إليها ، فإن كان لك جناحان فطر حتى تسبق إليها . فأقبل عبيد اللّه بن زياد سريعا ، متعمما ، متنكرا حتى دخل سوق الكوفة . فلما رآه أهل السوق خرجوا يشتدون بين يديه ، وهم يظنون أنه حسين ، وذلك أنهم كانوا يتوقعونه ، فجعلوا يقولون لعبيد اللّه بن زياد : يا ابن رسول اللّه ، الحمد للّه الذي أراناك ويقبلون يده ورجله ، فقال عبيد اللّه : لشد ما فسد هؤلاء « 3 » ، ثم دخل المسجد ، وصلى ركعتين ، وصعد المنبر وكشف وجهه . فلما رآه الناس مال بعضهم على بعض وأقشعوا « 4 » عنه . وبنى عبيد اللّه بن زياد بأهله أم نافع بنت عمارة بن عقبة بن أبي معيط ، وأتى في تلك الليلة برسول للحسين أرسله إلى مسلم ابن عقيل يقال له عبد اللّه بن بقطر « 5 » فقتله ، وكان قدم مع عبيد اللّه من البصرة شريك بن الأعور الحارثي ، وكان شيعة لعلي فنزل أيضا على هانئ بن عروة ، فاشتكى شريك ، فكان عبيد اللّه يعوده في منزل هانئ ، ومسلم بن عقيل هناك لا يعلم به ، فهيئوا لعبيد اللّه ثلاثين رجلا يقتلونه إذا دخل عليهم ، وأقبل عبيد اللّه ، فدخل على شريك يسأل به ، فجعل شريك يقول « 6 » :

--> ( 1 ) زبالة منزل معروف بطريق مكة من الكوفة ، وهي قرية عامرة ( معجم البلدان ) . ( 2 ) كذا والذي في أنساب الأشراف 3 / 334 أن النعمان بن بشير كان عامل يزيد بن معاوية على الكوفة ، وكان رجلا حليما يحب العافية ، فلما بلغه خبر قدوم مسلم خطب الناس فدعاهم إلى التمسك بالطاعة والاستقامة ونهاهم عن الفرقة والفتنة ، وقال : واللّه لا أقاتل إلا من قاتلني ، ولا آخذ أحدا بظنة وقرف وإحنة . وانظر الفتوح لابن الأعثم 5 / 59 وتاريخ الطبري 3 / 275 . ( 3 ) العبارة في أنساب الأشراف : فساء ابن زياد تباشير الناس بالحسين وغمّه . ( 4 ) أقشع القوم : تفرقوا . ( 5 ) الذي في الفتوح لابن الأعثم 5 / 77 عبد اللّه بن يقطين مولى لبني هاشم ، وذكر أنه رسول مسلم بن عقيل إلى الحسين بن علي ( رض ) وأنه كان يحمل كتاب مسلم يستعجل فيه الحسين بعد أن يبلغه فيه أن نيفا وعشرين ألفا منهم قد بايعوه . ( 6 ) تاريخ الطبري 3 / 284 .